ابن أبي العز الحنفي
180
شرح العقيدة الطحاوية
قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الأعراف : 204 . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » « 152 » . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين . فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي ، ولكن الأعيان تعلم ، ثم تذكر ، ثم تكتب . فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة . وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة ، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ولا لسان . والفرق بين كونه في زبر الأولين ، وبين كونه في رق منشور ، أو لوح محفوظ ، أو في كتاب مكنون - : واضح . فقوله عن القرآن : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ الشعراء : 196 ، أي ذكره ووصفه والاخبار عنه ، كما أن محمدا مكتوب عندهم . إذ القرآن أنزله اللّه على محمد ، لم ينزله على غيره أصلا ، ولهذا قال في الزبر ، ولم يقل في الصحف ، ولا في الرق ، لأن « الزبر » جمع « زبور » و « الزّبر » هو : الكتابة والجمع ، فقوله : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ الشعراء : 196 أي : مزبور الأولين ، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد ، ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس . وهذا مثل قوله : الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ الأعراف : 156 ، أي : ذكره ، بخلاف قوله : فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ الطور : 3 و لَوْحٍ مَحْفُوظٍ البروج : 22 و كِتابٍ مَكْنُونٍ الواقعة : 78 ، لأن العامل في الظرف إما أن يكون من الافعال العامة ، مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك ، أو يقدر : مكتوب في كتاب ، أو في رق . والكتاب : تارة يذكر ويراد به محل الكتابة ، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب . ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب ، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه - فإن تلك إنما يكتب ذكرها . وكلما تدبر الانسان هذا المعنى وضح له الفرق . وحقيقة كلام اللّه تعالى الخارجية : هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه ، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه . فكلام اللّه مسموع له معلوم محفوظ ، فإذا قاله السامع
--> ( 152 ) متفق عليه من حديث عمر ، وتمامه : « فاقرءوا ما تيسر منه » .